ابن قيم الجوزية
309
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع ، وفيما هو صحيح وفاسد ، وجعلوه محكّا للحق والباطل ، فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص . وحكّموا فيها الأذواق والأحوال والمواجيد ، فعظم الأمر ، وتفاقم الفساد والشر . وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم ، وانعكس السير ، وكان إلى اللّه ، فصيروه إلى النفوس . فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون اللّه ، وهؤلاء يعبدون نفوسهم . ومن العجب : أنهم دخلوا في أنواع الرياضات والمجاهدات والزهد ، ليتجردوا عن شهوات النفوس وحظوظها . فانتقلوا من شهوات إلى شهوات أكبر منها . ومن حظوظ إلى حظوظ أحط منها . وكان حالهم في شهوات نفوسهم التي انتقلوا عنها أكمل ، وحال أربابها خير من حال هؤلاء . لأنهم لم يعارضوا بها العلم ، ولا قدموها على النصوص ، ولا جعلوها دينا وقربة ، ولا ازدروا من أجلها العلم وأهله . والشهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلى ما يشمرون إليها . فهي قبلة قلوبهم ، فهم حولها عاكفون ، واقفون مع حظوظهم من اللّه ، فانون بها عن مراد اللّه منهم . الناس يعبدون اللّه ، وهم يعبدون أنفسهم ، عائبون على أهل الحظوظ والشهوات ومزدرون لهم . وهم أعظم الناس حظوظا . وإنما زهدوا في حظ إلى حظ أعلى منه . وإنما تركوا شهوة لشهوة أحط . فليتدبر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره . فكل ما خالف مراد اللّه الديني من العبد فهو حظه وشهوته ، مالا كان ، أو رياسة ، أو صورة ، أو حالا ، أو ذوقا ، أو وجدا . ثم من قدمه على مراد اللّه فهو أسوأ حالا ممن عرف أنه نقص ومحنة . وأن مراد اللّه أولى بالتقديم منه . فهو يتوب منه كل وقت إلى اللّه . ثم إنه وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا اللّه . فإن الأذواق مختلفة في أنفسها ، كثيرة الألوان ، متباينة أعظم التباين . فكل طائفة لهم أذواق وأحوال ومواجيد ، بحسب معتقداتهم وسلوكهم . فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوق وحال ووجد في معتقدهم بحسبه . والنصارى لهم ذوق في النصرانية بحسب رياضتهم وعقائدهم . وكل من اعتقد شيئا أو سلك سلوكا - حقا كان أو باطلا - فإنه إذا ارتاض وتجرد : لزمه . وتمكن من قلبه . وبقي له فيه حال وذوق ووجد . فيذوق من توزن الحقائق إذن ويعرف الحق من الباطل . تحكيم الوحي وهذا سيد أهل الأذواق والمواجيد ، والكشوف والأحوال ، من هذه الأمة المحدّث المكاشف - عمر رضي اللّه عنه - لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته في شيء من أمور الدين ، حتى ينشد عنه الرجال والنساء والأعراب . فإذا أخبروه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء لم يلتفت إلى ذوقه ، ولا إلى وجده وخطابه ، بل يقول « لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره » ويقول « أيها الناس ،
--> - إلا فيما جاء عن اللّه والرسول صلى اللّه عليه وسلم الذي قال اللّه فيه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً .